آخر تحديث: 2021/04/11 م. الساعة 08:50
آخر تحديث: 2021/04/11 م. الساعة 08:50

سيّد الفاتيكان" في العراق: محاولات تشويش وتعقيد وعقبات تحيط برحلته المرتقبة

يراها المحبون والمرحبون زيارة "آمال" لمحو "الآلام"

"سيّد الفاتيكان" في العراق: محاولات تشويش وتعقيد وعقبات تحيط برحلته المرتقبة

بغداد: حيدر نجم*               
فيما تتواصل على قدم وسّاق تحضيرات زيارة "بابا الفاتيكان" إلى العراق "المُقدس" كما يُسميه، تشي التهديدات الإرهابية واستهداف بعثات دبلوماسية وأعمال القصف لبعض الأماكن التي سيحط "الحبر الأعظم" رحاله فيها، إلى جانب أمور أخرى؛ بأنها محاولات للتشويش على الزيارة المرتقبة بهدف عرقلتها أو حتى إفشالها.
في مقدمة الزعامات العراقية التي شخصت ونبهت علانية لهذا التشويش المتعمد على ما يبدو، رجل الدين المناهض للولايات المتحدة مقتدى الصدر الذي يمتلك مريدين وقاعدة شعبية كبيرة. 
إذ اعتبر زعيم "التيار الصدري" وصاحب اكبر كتلة برلمانية، تزايد الهجمات الصاروخية والتوترات الأمنية في أنحاء مختلفة من البلاد "محاولات لإفشال زيارة البابا".
وقبل أيام، طالت هجمات صاروخية "المنطقة الخضراء" التي سيتم فيها استقبال "فرنسيس الأول" رسميا، ومن المحتمل أن تكون مقر إقامته خلال فترة تواجده في بغداد المحطة الأولى للزيارة. كما أطلقت صواريخ على قاعدة "بلد" الجوية التي يتواجد فيها متعاقدون أجانب، وسقطت أخرى منتصف الشهر على ضواحي وقاعدة عسكرية أمريكية في اربيل آخر محطات الرحلة البابوية.
هذه الهجمات المميتة وغيرها من العمليات العسكرية المتصاعدة ضد "داعش" شمال العاصمة بغداد وفي مدن أخرى من بينها الموصل المحطة ما قبل الأخيرة في رحلة "البابا"، أثارت الخشية لدى المسئولين العراقيين من إمكانية إلغاء زيارة الأب الروحي للمسيحيين الكاثوليك، وفقا لمصدر عليم يواكب التحضيرات.
المصدر غير الحكومي الذي فضل الإبقاء على أسمه بعيدا عن الإعلام لحساسية الموقف، قال لـ(...) إن "الهجمات شكلت هاجس خوف عند المنظمين.. خصوصا إنها وقعت مع تواجد وفد الفاتيكان في البلاد، وقبل أيام معدودة فقط من بدء الزيارة البابوية الأولى في تاريخ بلاد الرافدين". 
"الجهات المعنية تسعى جاهدة لتهيئة الظروف الملائمة والأجواء المناسبة، لإتمام زيارة البابا فرنسيس على أفضل وجه دون أي تعكير"، يضيف المصدر: "نأمل أن تتم الزيارة المقدسة في نهاية المطاف.. وتمر أيامها على خير".
الزيارة "الرسولية" المُنتظرة التي من المقرر لها أن تبدأ في الخامس من شهر شباط/مارس المقبل وتستمر لأربعة أيام، ينظر لها الدكتور سعد سلّوم، مؤسس (معهد دراسات التنوع الديني) كـ"بارقة أمل لمستقبل أبناء بلاد الرافدين المجهول، وفسحة تفاؤل لحاضرهم المأساوي، ومناسبة لإعادة التفكير في هوية بلدهم كعاصمة التنوع الديني في الشرق الأوسط، وأيضا فرصة للتحرر من ماضيهم القريب الزاخر بالضعف والانقسامات".
بذات الوقت، فان زيارة "أسقف روما" التاريخية التي تم تحديدها والإعلان عنها مسبقا خلافا لزيارة رؤساء ومسئولين عرب وأجانب تمت بشكل مفاجئ وتحت جنح الظلام، لا تخلو من التعقيد والعقبات والمخاوف حول سلامة وأمن الضيف الكبير.
في موضوع التعقيد، يرى سلّوم، أن "زيارة البابا، تمثل اختبارا للتعلم عن تعقيدات بلاد ما بين النهرين، التي تضم 22 طائفة دينية من ضمنها 14 طائفة مسيحية معترف بها رسميا".
ومن المقرر أن يقيم "البابا فرنسيس" صلاة جامعة بين الأديان في موقع "أور" التاريخي في بلاد ما بين النهرين.
ومن وجهة نظره الباحث سلّوم، فان هذه التعقيدات: "طرحت أسئلة صعبة أمام طاولة الكرسي الرسولي". متسائلا: "إذا كان من المخطط أن تضم الصلاة في (أور) ممثلي الأديان في البلاد، فهل سيتضمن ذلك ممثلي الأديان غير المعترف بها رسميا؟". سؤال قد يجد سلّوم وغيره الإجابة عليه نهاية الأسبوع المقبل.
أما المخاوف المُسجلة والمتداولة من قبل "بطاركة" وآخرين حول الرحلة البابوية لبلد الأنبياء والأولياء، فلا يعيرها "سيد الفاتيكان" أي اهتمام يُذكر ويرفض إلغائها أو تأخيرها.  
فقد أعلن شخصيا مطلع الشهر الجاري، أن زيارته المقررة للعراق قائمة وأصر على المُضي بها؛ رغم النصائح والاعتراضات التي تلقاها في هذا الإطار والانتقادات التي وجهت إليه من قبل متشددين يمينيين ودعاة الكراهية لنيته زيارة بلد مسلم.
ونقلت "الخدمة الإخبارية الكاثوليكية" عن الرجل الباحث عن السلام في عالم تتقاذفه الحروب، رده على سؤال حول الأسباب التي تدفعه للقيام بهذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر: "أنا راعي الأشخاص الذين يعانون(..)"، مؤكدا في مقابلة سابقة إنه "لا يخشى الموت أو المخاطرة بحياته أثناء الخدمة".
وبما أن الهاجس الأمني أكثر ما يؤرق منظمي الزيارة المحليين وضيوفهم الأجانب المحتملين، فالسؤال المطروح هو هل من الممكن أن تعرقل هذه الهجمات الصاروخية وغيرها من التهديدات الأمنية والقلاقل.. زيارة "البابا" في أخر لحظة؟.
سؤال جاءت إجابته من المصدر المشارك في ترتيب إجراءات الزيارة المرتقبة الذي سبق له زيارة "الفاتيكان" وتربطه علاقات جيدة مع مسئولين ورجال دين مسيحيين هناك، قائلا: "كل شيء وارد.. فالفاتيكان دولة ولها أجهزة مخابراتها ومؤسساتها وهي من تُقيم الموقف".
"لا أخفي سراً، إن قلت أن هناك دوائر فاتيكانية وجهات أخرى معارضة للزيارة لأسباب تتعلق تحديدا بسلامة وأمن البابا، وهي تراقب الأوضاع وتتخذ الموقف المناسب في آخر لحظة"، يختم المصدر تصريحه.
ومن أجل طمأنة مسئولي "الفاتيكان" وغيرهم من المعارضين للزيارة والمتخوفين على حياة زعيمهم الروحي، اتخذت السلطات العراقية، سلسلة تدابير وإجراءات سياسية وأمنية.
في صلب تلك الإجراءات والتدابير، تمت مناقشة القضايا الأمنية بما فيها الهجمات التي شُنت على مصالح ومنشآت أمريكية خلال أسبوع واحد، ويعتقد أن من يقف ورائها يريد جر إدارة الرئيس الديمقراطي جوزيف بايدن إلى المواجهة مع الإيرانيين وحلفائهم في العراق المتهمين بشنها. مع الأخذ بالاعتبار أن استمرار تلك الهجمات وغيرها من أعمال العنف قد يُعيق زيارة راعي الطائفة الكاثوليكية ويلغيها أصلا. 
وعلى ضوء ذلك، تواصلت القيادة العراقية مباشرة مع كلا الطرفين (طهران وواشنطن) لتهدئة الأمور بينهما، أقله لحين مرور الزيارة بسلام.
إذ أوفد العراق كبار مسئوليه (وزير الخارجية ومدير مكتب رئيس الوزراء) إلى جارته إيران التي تمتلك نفوذا وتأثيرا على فصائل مسلحة يعتقد وقوفها وراء تلك الهجمات.
فيما أجتمع رئيس الجمهورية برهم صالح مع السفير الأمريكي ماثيو تايلور لثني واشنطن من الرّد على تلك الهجمات، وعدم تكرار ما أحدثه الرئيس السابق دونالد ترامب عندما أمر باغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس والجنرال الإيراني قاسم سليماني، ليضع المنطقة على فوهة بركان.
هذا الاجتماع المذكور، ظهرت نتائجه قبل يومين عندما فضلت الولايات المتحدة الرد خارج حدود الأراضي العراقية على الجماعات التي قالت إنها مسئولة عن استهداف مصالحها ومنشئاتها في العراق، وقصفت معسكراتهم داخل سوريا.
إضافة إلى ذلك، أرسلت بغداد اثنين من كبار وزرائها (الخارجية والداخلية) إلى جارتها الأخرى المملكة العربية السعودية التي يعتبرها البعض "عرابة الجماعات التكفيرية" مثل "القاعدة" و"داعش" والأخيرة أعلنت مسؤوليتها عن التفجير الإرهابي في ساحة الطيران، وعادت مؤخرا لتنشط في ثلاث محافظات قريبة من الأماكن التي سيزورها "بابا الكاثوليك".
وفي وقت لا يُستبعد فيه تكرار الهجمات الصاروخية قبل وأثناء زيارة "الحبر الأعظم" هناك مشكلة أخرى تعتبر عقبة أمام مُضي "البابا" في رحلته الروحانية، إلا وهي جائحة (كوفيد 19) التي ضربت موجتها الثانية العراق بقوة، ما دفع سلطاته إلى فرض حظر جزئي ومرجح أن يكون شاملا في الأيام المقبلة.
"البابا" الذي المح إلى إمكانية تأجيل زيارته المقررة في حالة واحدة فقط، إلا وهي ارتفاع الإصابة بفيروس "كورونا" إلى معدلات خطيرة، تفيد المعلومات إن مرافقيه بما فيهم ممثلي هيئة الصحافة تلقوا جرعتين من التطعيم الخاص ضد الفيروس التاجي. وطبقا لما ترشح، فأن "الفاتيكان" لا يستبعد إلغاء الرحلة برمتها إذا أصبحت الأمور خطيرة للغاية.
وترى بعض دوائر المراقبة والتحليل العراقية، أن الأحاديث "المبالغ فيها" والتصريحات الفاقدة للوضوح والمصداقية التي تفيد بتغول جائحة (كوفيد 19) وتفشي سلالته الجديدة في البلاد؛ ما هي إلا "مطب آخر مفتعل بسذاجة وجهل" لفرملة زيارة "رمز السلام العالمي" وإفشالها.
والى جانب المخاطر الأمنية والصحية العقبتان الرئيسيتان أمام الزيارة المرتقبة، هناك أيضا الاحتجاجات العنيفة وما يرافقها من "القلاقل الشعبوية" المستعرة في الناصرية حيث مهد النبي إبراهيم، التي قد تُخرج مدينة "أور" التاريخية - ثالث محطة لرئيس الكرادلة في رحلة حجه إلى مسقط رأس أبو الديانات السماوية الثلاث - من مسار الزيارة البابوية، طبقا لأبناء المدينة الجنوبية التواقين لهذه الزيارة التي يعتبرونها زيارة "آمال لمحو الآلام". 
هذا الأمر المُقلق، دفع السلطات إلى عقد اجتماعات مكثفة مع زعامات سياسية وشيوخ ووجهاء عشائر الناصرية، لتهدئة أجواء الساحة الداخلية بهدف تأمين الحدث الأبرز المتمثل بزيارة "فرانسيس الأول" والوفود المحلية والأجنبية التي سترافقه. 
ومع هذه العقبات والمخاوف والتعقيدات وما يرافقها من حفاوة وترحيب كبيرين بهذه الزيارة المهمة قبل انطلاقها، ستتجه الأنظار صوب النجف الأشرف لمعرفة ما سيتمخض عن لقاء "البابا فرنسيس" في المحطة الثانية لرحلته مع مرجع المسلمين الشيعة الأعلى في العراق والعالم آية الله علي السيستاني.
وعن لقاء الديانات التاريخي المرتقب هذا وما يحمله من دلالات، يعلق الدكتور سلّوم، وهو أيضا عضو (المجلس العراقي لحوار الأديان): "إنها لحظة سيشعر بأهميتها كل العراقيين في المستقبل القريب.."، مستدركا: "بالطبع هناك جهات وشخصيات وقوى تستثمر في زعزعة الاستقرار والتشويش على رحلة الكرسي الرسولي التي تحمل مضمونا روحيا وإنسانيا عابرا للانقسامات".

*حيدر نجم: صحافي وكاتب مهتم بتغطية الشؤون السياسية والعامة في العراق، عمل في عدد من الصحف العربية من بينها جريدتا "الشرق الأوسط" السعودية و"الراي" الكويتية، ومحررا في دورية "نقاش" الألمانية. والآن يكتب تحليلات ومقالات وقصصاً صحافية بشكل مستقل.