آخر تحديث: 2020/07/02 م. الساعة 03:57
آخر تحديث: 2020/07/02 م. الساعة 03:57

مجلة اميركية تسلّط الضوء على الفساد في كردستان: الأقليم ليس جزيرة استقرار

سلّطت مجلة اميركية الضوء على حجم الفساد المالي المستشري في اقليم كردستان، مبدّدا الصورة النمطية المتداولة عن المنطقة الكردية بأنها "جزيرة الاستقرار" في العراق.

واشارت المجلة في، مقالة تقرير كتبته الخبيرة بشؤون الطاقة في الشرق الاوسط وين يوان ويو، الى الصراع المستمر بين الحزبين الكرديين الكبيرين على موارد الطاقة وشركات الاتصالات، الامر الذي وضع مواطني الاقليم في زاوية الازمات المعيشية.

وينشر (عراقي 24) نص التقرير:

وكأن العراق، ثالث أكبر مصدر للنفط في العالم ، لم يواجه من التحديات ما يكفي مع جائحة COVID-19 إلتي دفعت أسعار النفط الخام إلى مستويات منخفضة تاريخية، حتى برز الفصل الأخير من النزاع المرير بين الحكومة المركزية العراقية وإقليم كردستان بشأن عائدات إنتاج النفط في كردستان العراق، هذا النزاع الذي دفع قادة حكومة إقليم كردستان إلى الدعوة إلى إشراك وسطاء دوليين مثل الأمم المتحدة. 

في حين ان بغداد خفضت في وقت سابق من هذا الشهر ، مساهماتها في الميزانية إلى أربيل، بعد أن لم تسلم كردستان العراق 250 ألف برميل يوميًا إلى الحكومة المركزية ، وزادت بغداد على ذلك بمطالبة حكومة إقليم كردستان بإعادة جميع المدفوعات التي تم دفعها منذ يناير 2019.

منذ أن اندلع صراع تقاسم العائدات مرة اخرى الشهر الماضي بين الطرفين ، شهدت الوضع العراقي (بالنسبة للسلطة المركزية) تطوراً إيجابياً واحداً على الأقل تمثل صعود مصطفى الكاظمي كرئيس وزراء جديد للعراق. 

إن موافقة البرلمان على وزارة رئيس المخابرات السابق الكاظمي وضعت حدا لأشهر من الشلل السياسي بعد أن أسفرت حركة احتجاج واسعة النطاق ضد الفساد الممنهج والبطالة المنتشرة عن إسقاط سلفه عادل عبد المهدي. وكان الكاظمي المرشح الثالث لرئيس الجمهورية برهم صالح لهذا المنصب هذا العام، بعد أن فشل محافظ النجف السابق عدنان الزرفي ووزير الاتصالات السابق محمد توفيق علاوي في الحصول على دعم برلماني.

العراق ككل لا يزال يواجه كارثة اقتصادية ، حيث يتوقع البنك الدولي انخفاضًا بنسبة 9.7٪ في الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.  مع تجدد الاحتجاجات مرة ثانية، وتراجع الإيرادات بشكل كبير، الذي من المرجح أن يؤدي إلى تفاقم التظاهرات، هنا يثار السوال هل يمكن للكاظمي أن يقنع الفصائل العراقية المتصدعة و (المنقسمة) ان تقبل بتنفيذ إصلاحات طال انتظارها وإبعاد البلاد من حافة الهاوية؟  الأحداث الأخيرة في كردستان لا تدعم اي منظور متفائل.  بدلاً من ذلك ، فان ما يصل من الاقليم يظهر كيف أن "جزيرة الاستقرار" في العراق [كردستان العراق] قد تتماثل فيها قريبا حالة الفوضى مع  الفوضى التي تعم الوضع السياسي في بغداد [وباقي العراق].

لم يعد بإمكان كردستان [العراق] ان تنجو من هكذا مصير

أحد العوائق التي افشلت مهمة، او وقفت في وجه مرشحي برهم صالح الآخرين كان الاصرار على تحدي الامتيازات السياسية التي تتمتع بها الجماعات العرقية والدينية في العراق، في حين ان [الفصائل المهيمنة] في اقليم كردستان الغني بالنفط تعتبر أن هذه النظام [الذي بني على تقسيمات طائفية وعرقية والمحاصصة] غير قابلة للتفاوض، وان كردستان العراق التي عانت من معاملة وحشية على يد صدام حسين نجحت في حماية تجربتها في الحكم الذاتي منذ سقوطه. 

في حين أن انفصال [او ابتعاد] كردستان عن بغداد ربما يكون قد خلق حالة من الاستقرار ، الا ان نزاع اخر في مجال الطاقة [ازمة الغاز] موخرا قد كشف عن مشاكل طويلة الأمد في الاقليم نتيجة للفساد والمحسوبية والفئوية والشللية.

بدأت أزمة الغاز المعنية في أوائل فبراير عندما تخاصمت شركتان ، شركة (Sur Gas  (Sorgas، وشركة Golden Jaguar ، على عقد مناقصة لنقل غاز البترول (الغاز السائل) (LPG).  تصاعد النزاع إلى هجمات مسلحة: هاجم رجال مجهولون مقر سورغاس في 1 فبراير ، واحتجزوا مديره لفترة وجيزة.  في اليوم التالي ، أطلق مسلحون النار على شاحنات سرغاس التي كانت تنقل غاز البترول السائل داخل كردستان.

أدى هذا الانقطاع إلى نقص حاد في توفير الغاز في منتصف الشتاء في مدينتي أربيل ودهوك ، مما تسبب في ارتفاع أسعار اسطوانة الغاز من 6.30 دولار إلى 42 دولارًا.  وبطبيعة الحال ، فإن آثار هذا الاضطراب أوسع بكثير من الارتفاع المؤقت في الأسعار.  إن الأمن والبنية التحتية في المنطقة يتأرجحان في مواجهة الأزمة ، مما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي ، وزيادة البطالة ، والاستياء ضد النخب في المنطقة – كما هو الحال في بقية العراق.

فشل نظام هيمنة اسرتان كرديتان على الاقليم

ازمة الغاز في كردستان [العراق] كان لها ايضا نتائج سياسية سلطت الضوء على اقتصاد الريع وشبكات المحسوبية.  بعد النزاع العنيف حول الغاز السائل، اضطرت حكومة إقليم كردستان إلى الاعتراف بأن “الاحتكاريين والمافيا” يتمتعون بنفوذ واسع ولا مبرر له في قطاع الطاقة في المنطقة.

يرتبط الطرفان المتنافسان ارتباطًا وثيقًا عبر روابط المنفعة الخاصة والمحسوبية بالفصائل السياسية الكردية المتنافسة.  فشركة الجاكوار الذهبية تتمتع بصلات بالاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، التابع الى عائلة الطالباني ، في حين أن شركة سورغاس مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم ، الذي تهيمن عليه عشيرة بارزاني.

بعد الحرب الأهلية الكردية في التسعينات ، قسّم الحزب الديمقراطي الكردستاني (مسعود بارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال طالباني) كردستان فعليًا إلى إقطاعيات عائلية ومحسوبية فعلية.  سيطر الاتحاد الوطني الكردستاني على رئاسة العراق بعد سقوط صدام ، في البداية تحت حكم جلال طالباني وبعد ذلك تحت حكم فؤاد معصوم والآن برهم صالح. 

علما بإن هذا المنصب الرمزي في يتمتع او مخصص له ميزانية سنوية تبلغ 43 مليون دولار مع قليل من الشفافية حول كيفية إنفاق هذه الأموال.

يمتد انعدام الشفافية إلى كردستان [العراق].  في عام 2017 ، حصل الاقليم على قرض بقيمة 500 مليون دولار،  دون موافقة برلمانية، تضمن القرض  "مكافأة توقيع" غامضة بقيمة 50 مليون دولار تمت إضافتها ودفعها إلى وكيل قباد طالباني [ابن جلال طالباني ونائب رئيس الاقليم].  واستنادا إلى شركة روسنفت الروسية فانها دفعت 250 مليون دولار إلى "مستشار غامض" لتأمين حصتها في قطاع النفط في كردستان ، وهكذا يبدو أن الكسب غير المشروع في الامور المالية العامة للاقليم لا يقل فظاعة عن الفساد في أماكن أخرى في العراق.

إن العائلة البرزانية مسؤولة بنفس القدر عن إقامة حكم عائلي غير ديمقراطي.  أعضاء عشيرة البرزاني يسيطرون على مؤسسات كردستان ، بما في ذلك رئاسة الوزراء ووكالات أمن حكومة إقليم كردستان.  كما أثرت العشائرية في الحكم على كامل العراق ، مما أدى إلى إبعاد المستثمرين الأجانب الرئيسيين عندما كانت البلاد في حاجة ماسة إلى رأس المال والاستثمار.

الكسب الشخصي غير المشروع يخلق مشاكل مؤسساتية

في عام 2018 ، على سبيل المثال ، تمت مقاضاة سيروان بارزاني ، ابن عم رئيس حكومة إقليم كردستان الحالي ، من قبل شركة أجيليتي الكويتية وشركة أورانج الفرنسية بسبب سوء إدارته لشركة الاتصالات العراقية كورك ، والتي استثمرت فيها الشركتان بشكل مشترك 800 مليون دولار قبل مصادرة حصصهما بشكل دراماتيكي من قبل العراق  هيئة الاتصالات والإعلام (CMC).

ويزعم المستثمرون أن بارزاني وشركائه اختلسوا ملايين الدولارات ، بما في ذلك من خلال التواطؤ مع بنك في لبنان (IBL BANK) للحصول على قرض بقيمة 150 مليون دولار لشركة كورك بفائدة عالية مشبوهة.  ومنذ ذلك الحين ، ظهرت أدلة على أن رجل أعمال لبناني آخر ، رجل الأعمال اللبناني ريمون سمير زينة رحمة ، ربما قام باستخدم ما قيمته 2.3 مليون جنيه إسترليني من العقارات في لندن لرشوة أعضاء في هيئة الاتصالات والاعلام في نفس الوقت الذي كانت فيه الهيئة تبت بمصير شركة Orange-Agility المشتركة  للاستثمار.  هذه الادعاءات والمطالبات تتم حاليًا متابعتها في المحكمة الفيدرالية الأمريكية ، لكن سيروان بارزاني في هذا الوقت كان قد حصل بالفعل على ملكية شركة كورك.

أورانج وأجيليتي ليستا الشركتان المستثمرتان الأجانبيتان الوحيدتان اللتين اكتوتا من مسالة انعدام المساءلة.  فهذه القضية تظهر بصورة حادة وبشكل خاص في قطاع النفط والغاز.  في أغسطس 2019 ، حيث اتهمت دعوى قضائية في محكمة العدل الملكية البريطانية حكومة إقليم كردستان ووزير الموارد الطبيعية السابق عبد الله عبد الرحمن عبد الله (المعروف أيضًا باسم أشتي هورامي) بممارسات غير قانونية تستهدف شركة داينستي (Dynasty) النفطية، مقرها كردستان.

وتزعم شركة داينستي أن المسؤول الكردي طلب رشاوى منها في مقابل الحصول على ترخيص لشراء الشركة لتراخيص تشغيلية في حقلي Topkhana و Kurdamir من شركة Repsol الإسبانية ، كما ورد في الدعوى، وما ذكرته الشركة انه كان وفقًا للممارسات المعتادة في عهد هورامي منذ عام 2006. وفقًا للدعوى القضائية ، فان رفض Dynasty الدفع لهورامي  ادى الى ان تصبح الشركة مستهدفة بحملة من المضايقات التي اصدرها نائب رئيس حكومة إقليم كردستان قباد طالباني.

لقد وعد قادة كردستان مرارا وتكرارا بكبح هذا الفساد ، ولكن دون أي نتائج موثرة.  في أواخر عام 2019 ، تعهد رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان المعين مسرور بارزاني بالحد من الفساد المتفشي وتطبيق سيادة القانون في قطاع النفط ، الذي يمثل أكثر من 80 ٪ من اقتصاد الاقليم. والسوال هو هل يمكن للأزمات المتفاقمة الآن أن تجبر حكومة إقليم كردستان على تنفيذ تلك الوعود من أجل استرضاء الجمهور المضطرب ، وكذلك لإصلاح الجسور مع حكومة الكاظمي الجديدة في بغداد؟

إذا كان الأمر كذلك ، فربما يكون هناك أمل في ان تصلح الشفافية الامور في مسالة النفط حسب هذه الوعود،  وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فإن العراق بأكمله – بما في ذلك جزيرة الاستقرار المزعومة [اقليم كردستان] – قد يغرق في هذا الانهيار العالمي.

 

*ترجمة د. سعد ناجي جواد