آخر تحديث: 2021/06/12 م. الساعة 11:52
آخر تحديث: 2021/06/12 م. الساعة 11:52

سماسرة الدم.. من ممسوخي الضمير وصولا إلى الكاظمي

حيدر نجم


 
لا يختلف المتاجرون بدماء ضحايا الإرهاب كثيرا عن مرتكبي تلك الجرائم الوحشية، لدرجة بات هناك من يُشبههم بـ"المسوخ الآدمية" التي تعتاش على دماء الأبرياء الأحياء منهم والأموات. 
ومنذ أسبوعين لم يتوقف "مصاصو الدماء" وهم بهيئات ومسميات مختلفة (مرة على شكل مسئولين ونواب وأخرى على شكل إعلاميين وكتاب) عن المتاجرة بدماء شهداء وجرحى تفجيري ساحة الطيران والتلاعب بمشاعر عائلاتهم، بهدف تحقيق مأرب شخصية وحزبية وسياسية وكسب شهرة إعلامية. 
يصور هؤلاء المتاجرون أنفسهم أمام الرأي العام على أنهم ملائكة يريدون إنصاف الضحايا وأسرهم، لكنهم في الحقيقة هم شياطين يستغلون عواطف الناس ومشاعرهم الإنسانية لغايات نفعية وفئوية. تماما مثلما فعل سمسار كان يتاجر بدماء البشر عند "مصرف الدم الوطني" ببغداد في تسعينات القرن الماضي.
هذا السمسار الذي حرقه الله في الدنيا قبل الآخرة،  ازدهر نشاطه غير الأخلاقي في بداية سنوات الحصار الاقتصادي الذي فُرض ظُلماً وعدواناً مطلع التسعينات من قبل القوى الإمبريالية على العراق (علما أن الشعب العراقي تضرر من الحصار وليس النظام الحاكم وأعوانه وحاشيته). 
إذ شاعت في تلك الفترة المُضنكة، عمليات بيع الدم البشري وإن لم تكن ظاهريا لكنها كانت تجري في الخفاء، وفي أحيان كثيرة تتم بالخديعة! أي خداع الشخص المتبرع عبر استمالة عواطفه وإنسانيته الجياشة لفعل الخير.
وكانت عملية البيع غير القانونية - التي لا زالت قائمة مثلما يشتكي البعض - تتم "هندستها" بين موظفين فاسدين يعملون داخل مصرف الدم الوطني إحدى دوائر مدينة الطب في العاصمة بغداد، وسماسرة جشعين يتواجدون عند بوابة المصرف المذكور أو يجلسون على قارعة الطريق أو في المقاهي والمطاعم القريبة.
العملية كان تتم عندما يأتي المريض أو احد مرافقيه إلى بنك الدم الحكومي، للحصول على أكياس الدم بالأصناف المطلوبة لحالته المرضية أو للعملية الجراحية التي يستعد لإجرائها في المستشفى، فيخبره الموظف الفاسد بان نقصا حاصلا في خزائن البنك الدموي، وعليه الآتيان بأشخاص متبرعين مقابل أكياس الدم التي يريدها.
وعند عدم توفر المتبرع المجاني لحظتها، يلجأ المريض أو مرافقه إلى السماسرة بعد أن يدله الموظف عليهم. وهنا تبدأ عملية المتاجرة بالدماء، تماما مثلما يفعل الآن سماسرة السياسة والإعلام.  
ففي تلك الحقبة المُظلمة إنسانيا، كان تجار الدم الجشعون يقومون بتهيئة عدد من المتبرعين عن طريق التحشيد الإنساني في المناطق السكنية وهو ما يتم غالبا بفعل وعُرف النخوة المعروفة عند العراقيين، وفي أحيان نادرة مقابل آجر مالي بخس.
وهو يشابه إلى حدا كبير ما تقوم به حاليا بعض القنوات التلفزيونية والمنصات الإعلامية المملوكة لزعامات وأحزاب سياسية، عندما تتلاعب بمشاعر الجمهور عبر تزييف الوقائع وتغييب الحقائق، لغرض التربح المادي. 
وننقل لكم هنا في هذا المقال قصة حقيقية من واقع المتاجرة الخسيسة بعمليات التبرع بالدم، حدثت في إحدى مناطق بغداد الشعبية صيف العام ١٩٩٢. عندما جاء احد الشباب ممسوخي الضمير، ناخيا أبناء منطقته الجالسين في المقهى للتبرع بالدم لقريبه الذي ينتظر إجراء عملية كبرى.
فهب الشباب وكبار السن معا، واخذ الشاب الممسوخ معه قرابة العشر أشخاص فيما أبلغ الباقين منهم بأنه سيأتي لأخذهم لو تطلب الأمر المزيد من المتبرعين.
تبرع الشباب الغيارى بدمائهم الزكية دون أي شيء مادي بل قربة إلى وجه الله تعالى، حتى إن احدهم جمع مالا من أهالي المنطقة فور عودته من حملة التبرع ومنحه للشاب ممسوخ الضمير فيما لو احتاج قريبه المريض أي شيء آخر.
وعند مصرف الدم انتهت المهمة الإنسانية للمتبرعين الشباب، لكن تبين لهم لاحقا إن أبن منطقتهم ممسوخ الضمير هو احد "سماسرة الدم" يتاجر به مع مستشفيات خاصة وكذلك مع مرضى عرب كانوا يأتون إلى العراق لإجراء عمليات زرع كلى في مستشفى أهلي كانت تعتبر أكبر مركز لزرع الكلى في الشرق الأوسط.
أعتبر هؤلاء الشباب إن أبن منطقتهم سمسار الدم الممسوخ، خدعهم وأستغل طيبتهم وإنسانيتهم، فهب عدد منهم لمحاججته ونشب عراك معه كاد أحدهم على آثره أن يفقد حياته بعد أن أسقطهُ الممسوخ أرضاً على رأسه ليفقد الشاب الوعي، قبل أن يستفيق بعد ذلك بدقائق عبر إسعافات أولية ومحاولات إنعاش بدائية. 
بعد فترة من الزمن، تحول السمسار الممسوخ محروق الوجه إلى تاجر للأعضاء البشرية. حيث كانت عمليات المتاجرة بالدماء والأعضاء على حدا سواء تتم آنذاك تحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية التي تتحصل على حصتها من المتاجرين.
هذه القصة الحقيقية، بات لها مثيل على ارض الواقع هذه الأيام، أبطالها هم أيضا معدومي الضمير استغلوا دماء شهداء العراق ليصبحوا "حكاما وأصحاب مليارات.. يشترون القصور والسيارات"، مثلما يقول مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء، المتهم هو الآخر بالاتجار بدماء ضحايا المظاهرات التي أوصلته لكرسي الحكم.
الكاظمي الذي لم يمتلك الشجاعة الكافية لتسمية أولئك "الحكام أصحاب المليارات والقصور" بأسمائهم الصريحة خلال استضافته لعوائل ضحايا تفجيرات ساحة الطيران! وجد في عصابات "داعش" الإرهابية مخرجا "قوارضيا" من الإحراج الشخصي ليحملها مناصفة مع من وصفهم في شكل فضفاض بـ"الخارجين عن القانون" مسؤولية المتاجرة بدماء العراقيين والاغتناء على حسابهم.  
 


*حيدر نجم: صحافي وكاتب مهتم بتغطية الشؤون السياسية والعامة في العراق، عمل مراسلا لعدد من الصحف العربية من بينها جريدتا "الشرق الأوسط" اللندنية و"الرأي" الكويتية، ومحررا في دورية "نقاش" الألمانية. والآن يكتب تحليلات ومقالات وقصصاً صحافية بشكل مستقل.
للتواصل معه: haidernajim_2020@yahoo.com