آخر تحديث: 2021/03/08 م. الساعة 12:36
آخر تحديث: 2021/03/08 م. الساعة 12:36

موسم الحج إلى الفلوجة.. هل تتحقق أُمنيات الحلبوسي؟

حيدر نجم

   
بدت ملفتة زيارات "المجاملة" التي أخذت طابعا رسميا وسياسيا ودبلوماسيا إلى الفلوجة المدينة التي يُراد لها ارتداء ثوب الانفتاح والسلام، بعد سنوات طويلة من تلففها برداء التكفير والعصيان والتمرد على نظام حكم ما بعد 2003.    
الفلوجة التي لا تبعد عن العاصمة بغداد سوى 60 كم، أرادت إسماع صوتها وإيجاد مكانة لها منذ الوهلة الأولى للتغير الذي طرأ على العراق قبل أكثر من 17 عاما، عبر تمردها على نظام الحكم الجديد وتحولها إلى وكر كبير لعناصر "القاعدة" والجماعات الإرهابية الأخرى. حتى إنها باتت مسرحا للعمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال، مكتسبة شهرتها من حادثة مقتل اربعة من عناصر شركة "بلاكووتر" الأمريكية عام 2004، ما تسبب بنشوب معركتين مع المحتلين انتهت بإخضاع المدينة وسكانها. 
وخلال بضعة أشهر فقط، تقاطر مسئولون حكوميون وساسة كبار فضلا عن أرفع الدبلوماسيين الأجانب العاملين بالعراق، على الفلوجة في مسعى من مُضيف هؤلاء الزوار رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، لتحويل المدينة (التي تقرر قبل6 سنوات تغيير جنسها الإداري إلى محافظة وهو ما تم على الورق فقط) إلى مركز قرار سياسي للمكون السُني على غرار مدينتي النجف بالنسبة للشيعة، واربيل بما تمثله للأكراد.
وكغيره من السياسيين السُنة الذين يتسابقون للفوز بود سكان هذه المدينة التي تعتبر الأكبر سكانيا من بين مدن واقضية محافظة الانبار، يكرس الحلبوسي جهوده الشخصية وعلاقاته السياسية لأجل الهدف المنشود.
آخر الزائرين للمدينة التي خرجت عن سيطرة الحكومة المركزية مرتين منذ عام 2003، كان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي أعطى بزيارته هذه بُعدا ايجابيا لردم هوة الشك والريبة التي ما برحت تُلصق بالفلوجة على المستويين السياسي والشعبي، نظرا للطابع المتشدد والمتمرد الذي طغى عليها قلبا وقالبا في وقت من الأوقات، وهو ما يريد الحلبوسي تغييره ليمكنها من لعب دور مهم في المشهد السياسي لبلاد الرافدين ليس مرحليا فقط بل في المستقبل أيضا.  
ومن قبل الكاظمي، حط برهم صالح رحاله في مضيف الحلبوسي الذي استقبل أيضا مبعوثة الأمم المتحدة الدبلوماسية الهولندية جينين بلاسخارت التي يشبهها البعض بـ"مس بيل" المستشارة البريطانية التي رسمت الحدود الجغرافية للعراق الحديث وأجلست الملك فيصل على عرشه في عشرينات القرن الماضي.
كما شهد مقر إقامة رئيس البرلمان الشاب في الفلوجة، إبان عملية تشكيل الحكومة الجديدة توافد كلا المكلفين محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي اللذان لم يحالفها الحظ بترؤس الوزارة التي نالها الكاظمي في نهاية المطاف بـ"تواطؤ" من قبل رئيس الجمهورية قبل سبعة أشهر. 
الحلبوسي، الذي كان شابا مغمورا على الصعيد السياسي قبل تسنمه للمنصب النيابي، هو صاحب هذا المسعى المحموم الذي يريد من خلاله أيضا تطويب نفسه كزعيم سياسي للعرب السُنة في العراق، في ظل حالة التشظي السياسي والانقسام المصلحي التي يعيشها ممثلي محافظات غرب وشمال بغداد.
وعبر ضيافاته المتكررة هذه، يحاول كبير المشرعين العراقيين الذي يقول عنه مقربون انه يحمل كاريزما قيادية، النجاح فيما فشل فيه أسلافه رؤساء البرلمان من ممثلي المكون السني في الدورات السابقة مثل سليم الجبوري المنحدر من ديالى والمصلاوي أسامة النجيفي ومن قبلهما محمود المشهداني وحاجم الحسني. وجميع هؤلاء اندثروا سياسيا وزعاماتيا بمجرد انتهاء فترة رئاستهم البرلمانية.
قد لا يبدو الأمر سهلا على "أبو ريكان" تسلق الزعامة السنية، لكن ما يحظى به الرجل من شعبية وسمعة طيبة في مسقط رأسه بين فئة الشباب تحديدا قد تشفع له، في ظل نشاطه اللافت عندما كان محافظا للانبار، ومواكبته لحالة الأعمار والبناء التي شهدتها المحافظة قبل وبعد مرحلة "داعش".
يضاف إلى ذلك الدعم الأمريكي الذي ناله السياسي الشاب بعد معارضته داخل قبة البرلمان لقرار إخراج القوات الأميركية من البلاد، ناهيك عن الثقل المحلي والإقليمي الذي بات الحلبوسي يمتلكه بفترة وجيزة، والعلاقات الطيبة التي تربطه بعدد من الدول العربية والأجنبية. وهو ما جعل نظرات ومشاعر الغيرة والحسد تعلو أعين وتملئ قلوب زملائه من أبناء المكون السُني. 
حتى أن دوائر المراقبة والتحليل، تُسجل للحلبوسي "براغماتيته ودهائه السياسي" اللذان مكناه مؤخرا من تخليص رأسه من مقصلة الإقالة التي كان يحضرها له أبناء جلدته، قبل أن يشتت جمعهم عبر وعود وعهود وتفاهمات لم تخلو من "صفقات".
تبقى الأسئلة مطروحة حول إمكانية نجاح الحلبوسي في مهمته ومسعاه في خلع ثوب التطرف والتكفير والتمرد الذي ارتدته الفلوجة حتى من قبل 2003، وإلباسها ثوبا جديدا تتحول فيه هذه المدينة إلى مركزا للقرار السياسي السُني، ورقما مهما في معادلة الحكم المبنية على أعمدة مثلث المحاصصة الطائفية (الشيعة، السنة، الأكراد).    
وكذلك لجهة معاونته وإسناده من قبل شباب الفلوجة وأهاليها الذين حذرهم من تكرار أخطاء الماضي، في وقت كانت العدسات تظهرهم بمشاعر جياشة وحفاوة كبيرة وهم يستقبلون الحلبوسي ويلتقطون الصور و"السلفيات" معه عندما كان يسير في إحدى زياراته لمدينة المساجد على الجسر الانكليزي الشهير الذي عُلقت عليه أشلاء مرتزقة "بلاكووتر" الأمريكية.    

 

*حيدر نجم: صحافي وكاتب مهتم بتغطية الشؤون السياسية والعامة في العراق، عمل مراسلا لعدد من الصحف العربية من بينها جريدتا "الشرق الأوسط" اللندنية و"الرأي" الكويتية، ومحررا في دورية "نقاش" الألمانية. والآن يكتب تحليلات وقصصاً صحافية بشكل مستقل.
للتواصل معه: haidernajim_2020@yahoo.com