آخر تحديث: 2021/09/22 م. الساعة 04:29
آخر تحديث: 2021/09/22 م. الساعة 04:29

الانتخابات المُبكرة.. فخاخ التأجيل وكارثية المقاطعة

لاوان عثمان
ظهر رئيس الوزراء السيد مُصطفى الكاظمي في أواخر يوليو/تموز من العام المُنصرم مُعلِناً عن موعد إجراء الانتخابات (المُبكرة) في ما حدد السادس من حزيران من عام ٢٠٢١ كموعد لإجرائها، وهو بحد ذاته أمرٌ خارج نطاق صلاحياته كرئيس لمجلس الوزراء وهذا ما لبس الاعلان ثوب ( الوعود السياسية) الذي لا يعد و لا يُحصى، لا ثوب إلتزاماتٍ دستورية و قانونية، بيد كان الوعد هذا بمثابة تمويه يموه به الكاظمي خصومه الذي كانوا آنذاك مجتمعون ومتفقون على عزله و ابعاده من المنصِب أي بمعنى أنه كان في تلك اللحظة بمثابة مركب أوصل الرئيس و كرسيه الى برٍ آمن بعيداً عن شبح الخلع و الازاحة. إن التحديد هذا سبق إصدار بيان بهذا الشأن في الثالث من أغسطس العام نفسه من قبل رئيس الجمهورية موضحاً فيه ماتُسمى ب (خارطة الطريق) بخصوص العملية الانتخابية و سُرعان ما هرولت الأحزاب و الشخصيات إلى تأييد الدعوة مما أوصل الحال إلى طلب إجراء انتخابات ( أبكر) بدلا عن ( المُبكرة) من قِبل وجوه سياسية بارزة و مؤثرة.
وكُل هذا جرى تحت غطاء (تنفيذ مطالب المتظاهرين) في حين أن الوقت والأيام قد أثبتا في ما بعد أن لا أحد ينوي الانتخابات المُبكرة و جُل التصريحات التي أُطلِقت بهذا الصدَد هم لا شيء غير وعود تسويفية.

العوائِق السياسية أمام الانتخابات المُبكرة

لايختلف عليها إثنان أن القول الفاصل في العراق كان و مازال لتلك الروح التوافُقي الذي أصبح بمرور الوقت عُرفاً سياسيا تفوق من حيث التأثير على جميع الاعتبارات الدستورية والقانونية، الجدير بالذكر أن الروح التوافقي هذه قد رسختها الطبقة السياسية منذ يومها الأول في الحُكم، فعليه أن أول آلية من آليات إيجاد ارضية مُلائمة للإنتخابات هي وجود (توافق سياسي) يُلزم جميع الأطراف بهكذا إلتزام و بدونها كل الآليات والاجراءات الأخرى لا تقدم الأمر ولا تؤخره قيد أنملة.
المُعطيات كلها تؤشر الى وجود توافُق و نية سياسية لعدم إجراء الانتخابات وتأجيلها لموعدها الاساسي( ربيع ٢٠٢٢) بدلاً عن إجرائها في حزيران ٢٠٢١، لأنها و ببساطة معظم الأحزاب السياسية قد تبدو راضية عن مستوى التمثيل الذي تحظى به حاليًا. فمن شأن أي انتخابات جديدة أن تقلّص نفوذها، وبالتالي لا رغبة حقيقية لديها للسعي وراء نتيجة قد تضرّ بمصالحها. إن النواب ليسوا تواقين للإفراط بوظائفهم و ما ينتج عنها من الرواتب والامتيازات خاصة ما من ضمانة لهم بأن يفوزوا بالمقعد ثانية في حال اذا مضت الحكومة قدماً في الانتخابات. هذا و ان الكل يعلم بأن المدخل الدستوري الوحيد الذي يوصلنا الى انتخابات مبكرة هو حل المجلس قُبيل الموعد المقرر لإجراء الانتخابات بشهرين. ولكن الى الان لم نرَ خطوات عملية تُحسسنا بجدية الأمرعند الأطراف السياسية.

العائق الثاني الذي كان و مازال يقف سداً منيعا أمام الانتخابات هو جدلية " القانون الانتخابي" الذي تسبب بإحداث صخب وضجة في الأوساط السياسية والشعبية، حيث كان الشارع المنتفض يطالب بصياغة قانون إنتخابي ينصف الأحزاب الصغيرة و المتوسطة و يشجع المستقلين على خوض غمار الانتخابي في حين أن الأحزاب الكبيرة و المتمكنة و المتحكمة كانوا يرفضون الامر هذا جُملةً وتفصيلاً خوفاً على مصالحهم في ما أوصل الحال إلى صياغة و إصدار قانون قد يبدوا أنه ليس في مستوى طموح المنتفضين كثيراً لأن هم كانوا يطالبون بقانون على أساس الدوائر المتعددة الصغيرة ولكن ما تم تمريره يُعد قانون على أساس الدوائر المتوسطة من دون إرفاق أي توضيح و تفسير لكلمة(المتوسطة) وهذا ما وصِف من قبل المراقبين بـ (اللغم الموقوت) داخل القانون الانتخابي.

ما يُمكننا ايضاً أن نصنفه كعائق في ما يخص الشأن الانتخابي هو الفراغ الموجود داخل ( المحكمة الاتحادية) الذي جعل المحكمة مشلولة الحركة حاليا في حين أن المحكمة هذه تعد الجهة الوحيدة التي تمتلك صلاحية المُصادقة على نتائج الانتخابات عقِب انتهائها. الفراغ المذكور آنفاً أحدثه تقاعد عضو و وفاة عضو آخر من أعضاء التسعة للمحكمة أما الطامة الكُبرى هي الخلاف الموجود ما بين رئيس مجلس القضاء ورئيس المحكمة الاتحادية الذي يعيق بدوره قرار تعيين قضاة جدد. بيد أن المحكمة تُعاني في نفس الوقت بسبب عدم إقدام مجلس النواب على إصدار قانون جديد خاص بالمحكمة الاتحادية الذي يُسهل بدوره المضي قدما نحو الانتخابات.

المفوضية العليا المستقلة كونها الجهة التي تشرف على الجوانب الفنية للانتخابات ايضا تحتاج الى الدعم اللازم كي تقوم بدورها على أكمل وجه، ولكن لسوء الحظ هي ايضا تمر بوضع متأزم حيث أن القانون الانتخابي الجديد فككها بعد الاطاحة بأكثر من ٢٥ مديراً عاما هذا بغض النظر عن عدم تخصيص موازنة لها وتركها لكي تعاني على أثر عدم التخصيص هذا. كل هذا والمفوضية تعاني منذ سنتين من خلل وظيفي جعلها عاجزة حتى عن الإسراع بتحديث البطائق الانتخابية المعروفة بـ (البطاقة البيومترية) التي تشدد جل الاحزاب والاطراف على تحديثها كونها وسيلة مجدية و فعالة للحد من تأثير التزوير.

المشاركة من عدمها و مخاوف حولهما

تكرار مُسلسل التزوير في جميع العمليات الانتخابية منذ أولها في ظل النظام هذا افقد الشعب ثقتهم بالانتخابات كوسيلة للتغيير لدرجة أصبحت العملية هذه التي هي في الأساس حق من حقوق المواطنين محل سُخرية عند شرائح لا يُستهان بها داخل المجتمع العراقي، لأن التزوير هذا بغض النظر عن كونه مصادرة لآراء الناس ألا و أنه مُنتج لفشل متراكم عام بعد عام و دورة بعد دورة، و بالتالي كان الفشل هذا سبباً أساسيا من بين تلك الاسباب الذي دفع الناس الى النزول للشوارع مُطالبا بتغيير وإزاحة النظام برُمته. تقربت ثورة تشرين بدورها من خلع الشرعية عن هذا النظام بعد أن أعطت دماءً زكياً لمدة تجاوزت سنة كاملة بدون توقف فبناءً على ذلك هناك مخاوف عند جمهور المُعارض و المنتفض حول العملية الانتخابية بحيث نرى الكثير منهم وهم يتحدثون عن تلك المخاوف قائلا: نحن ننظم أنفسنا على هيئة أحزاب وتيارات سياسية لكي نُثبت وجودنا و بغية إحداث التغيير من الداخل ولكن لا نضمن مشاركتنا في الانتخابات خوفاً من إعطاء الشرعية ثانيةً لهذا النظام بعد كل تلك الدماء التي أزهقت من أجل خلعها عنه. كل هذا ليس خوفا من الوجود الجماهيري لأحزاب وتيارات "الحرس القديم" التي تجزم على اكتساحها للإنتخابات بين فينة و الاخرى لا بل خوفا على نفس مصير الانتخابات السابقة و إنني هنا من مفردة المصير أقصد "التزوير والفشل المرافق له". هذا و في حين أن مخاوف المنتفضين لا يقف عند الحد هذا بل هم في صدد التأويل لفرضيات و إحتمالات أخرى في حال إعلان مُقاطعتهم للعملية الانتخابية ولعل من أهم تلك الفرضيات هي: فرضية اكتساح الأصوات والمقاعد من قبل الأحزاب التي يسمونهم بـ" الحرس القديم" كون ساحة المنافسة تكون خالية أمامهم في ما لو أقروا المنتفضين على خيار المُقاطعة، هذا لأن الأمر قد يبدوا واضحاً عندهم بأن لا المجتمع الدولي و لا حتى البُعثة الاممية في العراق يمكن اطلاق العنان إليهما و التعويل عليهما في ما لو حدث التزوير مرة أخرى أو في ما يخص شرعية الانتخابات في ما لو كانت نسبة المقاطعة مرتفعةً لأنهما قد أثبتتا سابقاً تقاعسهما بهذا الخصوص ولعل التزوير و نسبة المقاطعة الفاضحة في إنتخابات ٢٠١٨ خير دليل على ما ذكرناه.

منذ البداية كانوا المنتفضين يؤكدون على ضرورة إجراء إنتخابات مبكرة لكن بشرطها وشروطها كما كانوا يرددونها ولعل من أبرز تلك الشروط هو " الإشراف الأممي" على الانتخابات وليست المراقبة "وشتان ما بين هذا وتلك" وهذا المطلب بدوره حظي بالقبول عند البعض و جوبه بالرفض عند الآخرين حيث كانت الجهات المؤيدة تؤكد على أهمية الإشراف هذا  في مايخص الحد من نِسب التزوير و التلاعب في النتائج في حين الجهات الرافضة له كانت و مازالت تتحجج بشماعة حفظ السيادة من الخرق معتبرين الإشراف هذا تدخلاً خارجياً سافراً و صارخاً في شؤون البلد الداخلي.

جانب آخر من الجوانب الذي يُعتبر بالغ الاهمية في هذا الصدد هو
" الوضع الأمني " لأن هناك الكثيرون ممن يرفضون فكرة الانتخابات الى حد التهكم في ظل وجود سلاح منفلت في الشارع مصممون و مصرون على عبارة: السلاح المنفلت و الانتخابات لا يجتمعان. وهم كثيرا ما يقارنون تأثير هذا الوجود بتأثير " مال السُحت" الذي يخصص لدوامة شراء الذمم و تبديل الجلود المعتادة قبيل كل عملية انتخابية. كل هذا ببساطة لأنهم يدركون مدى التأثير السلبي للسلاح هذا على المردود الانتخابي مدركين في الآن نفسه قدرة حملة السلاح على قلب جميع الموازين.

كيف بهم المواطنون أن يتطلعوا لإنتخابات حرة و نزيهة وعادلة و هم الان مفجوعين جراء التفجيرات الانتحارية التي استهدفت أماكن شعبية داخل العاصمة و راحت ضحيتها عشرات المواطنين بغض النظر عن اعداد الجرحى الذي كانوا من الطبقات الكادحة و الفقيرة؟ هذا يقودنا الى تساؤل قد يبدو واقعي و منطقي: ماذا يمكن أن تنتج الانتخابات في ظل الفوضى والاضطراب الأمنيَين اللذين يعصفان بالبلد؟