آخر تحديث: 2021/06/12 م. الساعة 11:52
آخر تحديث: 2021/06/12 م. الساعة 11:52

برهم صالح.. ليس للمتحيز عاقبة ولا حظوظ

حيدر نجم

 

لم يُعرف عن السياسي الكردي ورئيس جمهورية العراق برهم صالح، أنه جاهر في الإعلام أو في المجالس الخاصة بلغة مذهبية مقيتة لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية طيلة مشواره السياسي في المعارضة أو حتى عندما تدرج في المناصب الحكومية والمواقع الحزبية بعد 2003. هكذا يقول من عرفوه.

وعلى خلاف ساسة وزعماء مرحلة المحاصصة الطائفية، كان الرجُل يوصف بالاعتدال وعُرف عنه كسره لقوالب التخندق المذهبي عبّر لعب دور "مطفئ الحرائق" في أكثر من مناسبة بين زملائه من السياسيين والوزراء العرب (السُنة والشيعة) على حدا سواء. حتى إن خصومه ومخالفيه لم يوصمونه بوصمة "الطائفية" النكراء.

نعم، ما عُرف عن الساسة الأكراد أن اهتمامهم ينصب في قضاياهم القومية وحلمهم المستقبلي بـ"الوطن الكردي"، لكن يُحسب لبرهم صالح عدم انحداره نحو قاع اللوثة الطائفية التي بات يستثمر فيها مؤخرا ولغايات سياسية زعامات ووجوه كردية معروفة أمثال مسعود بارزاني وهوشيار زيباري وزير خارجية العراق الأسبق. 

وفي ذروة "الاقتتال الطائفي" الممتدة من بداية عام 2006 حتى نهاية2008  كان "فخامة الرئيس" كثير التنقل بين المحافظات والمناطق المُغلقة بعضها طائفيا على مكون مجتمعي دون آخر، سواء بحكم منصبه الوظيفي أو مهامه التي كان يُكلف بها من قبل المحتلين الأمريكان الذين يرتبط معهم بعلاقات وطيدة.

كما أشرف بحكم منصبه كنائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة نوري المالكي الأولى على "مجالس الصحوة" العشائرية التي شكلها الأمريكان لمقاتلة "القاعدة" في المناطق ذات الغالبية السُنية من السكان، رغم أن مسؤوليته الرسمية كانت تتعلق آنذاك بالشق الاقتصادي والمالي والخدمي.

ومن المآثر "الوطنية" المُسجلة للسياسي الكردي الذي يتقن اللغة العربية أفضل من ساسة منحدرين من جزء العراق العربي، تفاعله وتشجعيه لمنتخب بلاد الرافدين الوطني الفائز ببطولة كأس أسيا لكرة القدم عام 2007 عندما شاهد المباراة النهائية في مكتبه ببغداد بصحبة قائد القوات الأميركية في العراق آنذاك ديفيد بترايوس، وأولم على شرف هذا الفوز التاريخي حشد الحاضرين في مكتبه. في وقت كان بعض الساسة المعارضين والمتمردين على الحكم الجديد، يتمنون خسارة منتخبهم الوطني.

هذا الإرث من المواقف الايجابية ورصيد المقبولية الجماهيرية التي كان يحظى بها "كاكه" برهم في مناطق وسط وجنوب البلاد، اخذ يفقده شيئا فشيئا. حتى أن هناك من ساسة وسكان هذه المناطق أعابوا عليه أخيرا "نزعته الانفصالية.. وتعنصره القومي".

من وجهة نظرهم، ابتدأ الأمر منذ لحظة "الخطيئة الوطنية" التي ارتكبها صالح عبر التصويت بكلمة "نعم" على استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق في أيلول/سبتمبر عام 2017، وصولا إلى ما يعتبره كثيرون انحيازه الدائم وهو على كرسي رئاسة الجمهورية لجهة السلطة الحاكمة في المنطقة الكردية على حساب نزاعها المستمر مع حكومة المركز في بغداد.

صاحب المنصب البروتوكولي التشريفي، الذي يعتبر حاميا للدستور، بات يخالف بنود وفقرات من الدستور! عبر التجاوز على صلاحيات رأس السلطة التنفيذية التي عين فيها عبر توجيهات أميركية "تلميذه" السابق مصطفى الكاظمي بعد أن خدع أصحاب "الكتلة الأكبر" في البرلمان. 

وقبل ذلك، وفي زمن حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، استحوذ صالح على صلاحيات ومُمارسات حددت حصرا بيد رئيس مجلس الوزراء في الحكومات المتعاقبة منذ 2003. ناهيك عن تدخلاته المرفوضة في عمل السلطة التشريعية، وهو ما ندد به في إحدى المرات النائب الأول لرئيس البرلمان حسن الكعبي.

الرئيس الكردي الثالث لجمهورية العراق، والذي أقسم عند تنصيبه على المحافظة على استقلال وسيادته وسلامة أراضي بلاد الرافدين.. وحماية أبناء شعبه، بدا غير معنيا بما أقسم عليه. وانقلب على عاقبته "الوطنية".

إذ لم يصدر عنه موقف قوي وواضح لجهة الاعتداءات الغاشمة التي شنها الطيران الحربي الأميركي – الإسرائيلي، وأدت إحداها إلى اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي جمال جعفر الإبراهيمي المعروف بـ(أبو مهدي المهندس)، وضيفه الجنرال الإيراني قاسم سليماني مع عدد من رفاقهم، فضلا عن استهداف مواقع وارتال عسكرية عراقية وحتى مدنية مثل مطار كربلاء.

لا بل انه راح بعد فترة وجيزة من هذه الجريمة النكراء التي طالت مواطنين عراقيين وضيوفهم، ليصافح الرئيس الأميركي المعتوه دونالد ترامب الذي أمر شخصيا بتصفية المهندس ورفاقه.

ومن المآخذ الأخرى المسجلة من قبل مراقبين على ساكن القصر الجمهوري في بغداد، هي حالة التمييز التي يعتمدها بين مستشاريه العرب والأكراد الذين يحوط نفسه بهم ويفضلهم على أقرانهم من العرب الذي عين منهم ساسة مغمورين وصحافيين سابقين ونشطاء فيسبوكيين.

كما يُنتقد الرجل الذي دخل توه بداية عقده الستيني، لجهة تداعيه هو ومكتبه الرئاسي في التعبير عن قلقه وتهانيه لأي حادث أو مناسبة في كردستان، بينما يتغافل عن أحداث مهمة ومروعة تقع في محافظات غير كردية ويتناسى التهنئة والتبريك بمناسبات دينية وعقائدية لأكبر مكون مجتمعي في العراق.

ومن المتوقع أن تطيح هذه المآخذ السلبية والانتقادات اللاذعة المتواترة على آلسنة ساسة وجماهير وسط وجنوب العراق ضد رئيسهم الفيدرالي، بحظوظه في الاحتفاظ بمنصبه الرئاسي لدورة ثانية، مثلما يطمح هو شخصيا وفريق مستشاريه وحاشيته الحزبية التي ترغب له السير على نهج مثله الأعلى جلال طالباني أول رئيس كردي للعراق أحتفظ بمنصبه لولايتين كاملتين.