آخر تحديث: 2020/10/19 م. الساعة 12:01
آخر تحديث: 2020/10/19 م. الساعة 12:01

من منطلق الاخلاص

حسين شريعتمداري

 

كنت مشغولا بالبحث عن طريقة لايصال رسالتي، فخطرت لي هذه القصة، بلطف من الله ورحمته. وضعت تلك القصة كمقدمة لملاحظاتي، واليوم اضع نفس المقدمة لملاحظات شبيهة لسابقتها.

ورد في سورة النمل قصة الهدهد الذي جاء لنبي الله سليمان (ع) بنبأ. فقد جاء في كلام الله ان سليمان (ع) لم يشاهد الهدهد من بين الطيور التي استعرضها، لذا استاء وقال: (‌مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ کَانَ مِنَ الْغَائِبِینَ-)؟

لكن انتظارسليمان لم يدم طويلا، عندما وصل الهدهد وقال: "أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُك مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍۢ يَقِينٍ".

لقد خاطب الهدد نبي الله بالقول: بأني اطلعت على معلومة لم تطلع عليها، وجئتك من "سبأ" بخبر هام ومؤكد جدا.

الكتاب ايضا، بطبيعة عملي، أطلع على العديد من القضايا التي لا استبعد ان تكون مخفية عن بعض الاكابر. قضايا من هذا النوع، لا ترفع اشخاصا مثلي، ولا تقلل شيئا من الشخصيات الكبيرة المبجلة.

لكن..

بتاريخ 13 سبتمبر استقبل سماحة اية الله السيستاني، احد المرجعيات العليا للشيعة، في مكتبه السيدة جنين هينس بلاسخارت، الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة في العراق، وطرح أمامها مواقفه القيمة الخاصة بالشأن العراقي والتي تكشف عن رؤية عالمة وحكيمة لسماحته فيما يتعلق بالتطورات التي يشهدها العراق.

سماحته اكد على شفافية ونزاهة الانتخابات البرلمانية المرتقبة، وضرورة مكافحة الفساد، وتجنّب الانتقائية والتمييز، وانزال العقاب العادل بحق الفاسدين أينما كانوا، وممارسة سيادة الدولة والامتناع عن إنشاء مناطق تحت عناوين مختلفة وخارج القوانين الحالية للدولة، ومعاقبة مرتكبي الاغتيالات الأخيرة.

و....

سماحة اية الله السيستاني (دام عزه) طلب، في هذا اللقاء، من الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة ان تكون الانتخابات البرلمانية العراقية تحت اشراف ممثلين عن منظمة الامم المتحدة!

ولكن مع كامل الاعتذار، يجب ان نقول لسماحته، اولا: ان هذا الطلب أقل من الشأن والمكانة العليا والمبجلة لسماحة اية الله السيستاني. في الحقيقة ان منظمة الامم المتحدة هي التي تحتاج لإثبات كفاءتها الى تأييد من سماحته.

ثانيا: ان ذلك لا يتلائم مع مكانة ومنزلة العراق كدولة مستقلة وحصلت على اسقتلالها وتحررها عبر تضحيات ودماء ودموع شعب العراق الشريف، لاسيما الشباب الغيور لتلك الارض المقدسة.

ان دعوة الامم المتحدة للاشراف على انتخابات بلد من البلدان، بمثابة اعلان لافلاس ذلك البلد، وبمثابة سوء ظن بالشعب، وحسن ظن بدور الاجانب والغرباء. ومن البديهي ان ذلك بعيد كل البعد عن الساحة المقدسة لسماحة اية الله السيستاني المرجع الاعلى للعالم الشيعي.

اليوم ليس هناك اي تردد بأن الامم المتحدة، خلافا لمزاعمها، لا تسعى نحو احلال السلام العالمي فحسب، وانما تحوّلت الى اداة ضغط بيد قوى الهيمنة والغطرسة لاسيما امريكا وحلفائها الغربيين والعرب والعبريين.

ان مراجعة عابرة لعمل ومواقف هذه المنظمة خلال العقود الاخيرة، ستتيح ملاحظة هذه الحقائق المرة: صمت الامم المتحدة عن جرائم الكيان الصيهوني في فلسطين واحيانا التأييد الصريح لهذه الجرائم، غض النظر عن دعم امريكا وحلفائها لصدام ماليا وتسليحيا خلال حرب الثمان سنوات المفروضة، احتلال افغانستان والعراق من قبل امريكا، مذابح المسلمين في ميانمار وكشمير، غض النظر عن جرائم السعودية وابادتها الشاملة للنساء والرجال والاطفال في اليمن، والصمت الداعم للحصار البرّي والبحري والجوي على الشعب اليمني المظلوم وتركهم تحت قبضة الامراض والجوع و... الصمت عن الدعم والتسليح الذي حصل عليه الارهابيون التكفيريون من قبل امريكا واروبا والسعودية والامارات و....

هذه هي نفس الامم المتحدة، التي يطلب منها سماحة اية الله الاشراف على الانتخابات البرلمانية للعراق، التي اجبرتها ضغوطات الرأي العام على وضع السعودية على قائمة جرائم الحرب، لكنها وبعد ان لوّح ال سعود بإيقاف مساعداتهم المالية، خرج الامين العام، بكل وقاحة ومن دون خجل، ليعلن سحب قراره!

الامم المتحدة لم تهتم للجريمة التي ارتكبها ترامب باغتيال قادة الاسلام الكبار الحاج قاسم سليماني وابو مهدي المهندس الذين يدين لجهودهم اليوم امن العراق والمنطقة بالكثير. هذه الجريمة، بحسب القوانين المعترف بها من قبل منظمة الامم المتحدة، يجب ان تضع امريكا تحت المادة 42 من الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة وتعاقبها على ضوء ذلك.

وهناك العشرات من الامثلة على مواقف الامم المتحدة لايمكن ذكرها في هذه الخلاصة.

لقد استمعنا من الكبار امثال سماحة اية الله السيستاني تفسير الاية 60 من سورة النساء، وخضعنا لها من صميم قلوبنا، والتي يمنع فيها الله تعالى المؤمنين بشدة من قبول التحاكم الى الطاغوت "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ".

ان الكاتب، رغم معرفته المقتضبة إلا انه مؤمن بسماحة اية الله السيستاني وذكائه المقرون بالحكمة، يعتقد بوجود خطأ في خبر لقاء سماحة المرجع مع الممثل الخاص للامين العام للامم المتحدة، وان مكتب سماحته لم يكن دقيقا في نقل خبر اللقاء، ويُتوقع من مكتب سماحته ان يقوم بتصحيح هذا الجزء من اللقاء، لان سماحته أحد المرجعيات العليا للشيعة التي تنتمي لجميع العالم الاسلامي.

وهناك توقع آخر، بأن تحمل جرأة الكاتب على محمل الحب والاحترام الذي يكنّه لسماحة المرجع.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.