آخر تحديث: 2020/10/20 م. الساعة 01:12
آخر تحديث: 2020/10/20 م. الساعة 01:12

الإشكالية الحقيقة للولايات المتحدة مع الحشد

عبد الرحمن اللويزي

من يحاول شيطنة الحشد اليوم ويقدم المبررات (الموضوعية) لحلة والتحذير من (خطره) ينطلق من فكرة أن الحشد هو جيشٌ موازٍ للجيش العراقي، يأكل من جرفه ويهدد كيانه، أصحاب هذه الفكرة يصطفون في معسكر الولايات المتحدة وحلفائها، في مقابل معسكر إيران وحلفائها المتمسكون بالحشد، أصحاب المعسكر الأول مقتنعون بأن الولايات المتحدة تنطلق في موقفها الرافض لبقاء الحشد، من منطلق حرصها على مساعدة العراقيين في بناء دولة مدنية سيكون الجيش العراقي الوطني هو أحد أهم ركائزها.
والسؤال اين كان حرص الولايات المتحدة على الجيش العراقي بوصفه ركيزة أساسية للحفاظ على النظام الديمقراطي، حين أتخذت قرار حله؟
الولايات المتحدة التي اعتمدت على قيادات عشائرية محلية في إنشاء قوة عسكرية شبه رسمية أسمها الصحوة، اعتمدت عليها، بمعزل عن الجيش، في محاربة تنظيم القاعدة، وأغدقت الدعم المادي والمعنوي على قياداتها الميدانية، لدرجة أن رئيس الولايات المتحدة يهبط بطائرته في الانبار ليحل ضيفاً على قائد ومؤسس تلك القوة، والذي لا يحمل أي صفة رسمية. والسؤال ألم تكن الصحوة قوة عسكرية موازية للجيش.
أليست قوات حرس الإقليم (البيشمركة) الآن، قوة موازية للجيش العراقي ؟ ألم تدخل في مواجهة مباشرة معه في أحداث كركوك، ألم تفشل حتى عملية دمجها بالجيش العراقي، عندما تم تحويل لواء كامل من البيشمركة الى جيش عراقي، (اللواء الخامس/فق2/جيش عراقي) وعندما هاجمت داعش الموصل ولجأ نائب قائد عمليات نينوى الشهيد اللواء الركن عبد الرحمن أبو رغيف الى مقر اللواء الخامس في الخازر، أفاد بأنه شاهد جنود اللواء وقد نزعوا عن صدورهم العلم العراقي واستبدلوه بعلم الإقليم ورفضوا تنفيذ أمره بل هددوه بالاعتقال!
أليست فكرة تأسيس الحرس الوطني التي تبنتها القيادات السياسية السُنِّية في مفاوضات تشكيل الحكومة عام 2014 بدعم مباشر من الإدارة الامريكية هي في جوهرها فكرة لإنشاء قوة عسكرية موازية للجيش؟
لماذا أقدمت الولايات المتحدة على تدريب وتسليح الحشود العشائرية في محافظة نينوى (في قاعدة القيارة) وجهزتها بالآليات وهي ترفض الى الآن فكرة دمج الحشد العشائري بالحشد الشعبي، إذا كانت مخلصة فعلاً لفكرة رفضها لأنشاء قوة عسكرية موازية للجيش العرقي.
ما هو الفرق الآن بين الحشد الشعبي كجهاز أمني مستقل، وبين الشرطة الاتحادية أو جهاز مكافحة الإرهاب، أو الرد السريع. أليست كل هذه الأجهزة يمكن وصفها بأنها أجهزة أمنية موازية للجيش.
الفرق هو وجود الحشد الولائي الذي تؤمن قياداته بنظرية ولاية الفقيه، وقبل المضي في مناقشة هذه الفكرة تعالوا لنستبعد أذا فكرة أن لدى الولايات المتحدة وحلفائها رغبة حقيقية في بناء الجيش العراقي، وهي السباقة الى حله، أو أنها رافضة لفكرة أنشاء قوة موازية له وهي أول من أقدم على تلك الخطوة.
أما موضوع ولاية الفقيه، فهو لا ينحصر بالحشد، لأن هذه الإشكالية هي إشكالية الإسلام السياسي المتمرد على الجغرافيا، لو عدنا الى كتاب سيد قطب، معالم في الطريق، في فصل عنوانه «جنسية المسلم وعقيدته» الذي ألفه قبل قيام الثورة الإيرانية، لوجدته يُسَفِّهُ فكرة ما يصفها بـ «وشائج الطين» في إشارة الى فكرة ارتباط الانسان بالأرض «الوطن» بل أنه يُسَفِّهُ حتى فكرة «وشائج الدم»، في إشارة الى صلات القربى بين الناس، ويقول أن الوشيجة المعتبرة هي وشيجة الدين وليست وشيجة الطين.
إشكالية تمرد الأحزاب والحركات والطرق الدينية على الجغرافيا، هي التي دفعت آلاف الدراويش الإيرانيين قبل عدة أيام الى تجاوز الحدود عنوة للمشاركة في مراسيم دفن مرشدهم «العراقي».
والصبغة الولائية للحشد قد أكتسبها من ولائية قياداته السياسية وليس من كونه جهازاً أمنياً يوازي الجيش، لذلك فالولايات المتحدة هي ضد هذه القيادات السياسية وضد الخط السياسي الذي تمثله تلك القيادات، وهي تعتقد أن وشائج الإسلام السياسي العابر للحدود، هي التي رجحت النفوذ الإيراني على النفوذ الأمريكي، رغم أن الأخير هو الذي اصطاد (الصيدة) على حد تعبير وزير خارجية قطر السابق، حمد بن جاسم الذي وصف سوريا بـ (الصيدة) لأن الولايات المتحدة هي التي أسقطت النظام، ومن المؤكد أنها لم تفعل ذلك من أجل سواد عيون العراقيين.
وبين مصالح الولايات المتحدة المغلفة بشعارات المدنية وتدعيم أسس الديمقراطية وبناء المؤسسة العسكرية الوطنية، وبين المصالح الإيرانية التي تستدعي البعد الديني وتوظفه في معركة المصالح والنفوذ، يعيش العراقيون محنتهم في البحث عن وَطَنٍ تتوفر فيه أبسط شروط الحياة الكريمة. لكنها محنة طويلة ومخاض صعب وغدٌ قد يطول انتظار فجره.